بين (عاد-إرم) و(عاد- البيت الأبيض)

الشيخ رائد صلاح
استنادًا الى كتاب (هلاك ودمار أمريكا المنتظر) للأستاذ هشام كمال عبد الحميد أقول: هما (عادان) أمّا (عاد الأولى) فهي التي أرسل الله تعالى إليها نبي الله هود عليه السلام، فجحدت واستكبرت وعتت عتوًا كبيرًا، فأنزل الله تعالى عليها عذابا من عنده فأصبحت كالهشيم الذي تذروه الرياح، وأتى الله تعالى على بنيانها من القواعد، فتهاوت مدنيتها وأصبحت كومة حجارة تبعث دخان الهلاك، وكأنها لم تغن بالأمس.
وأمّا (عاد الثانية) فهي مدنيّة أمريكا التي أرسل الله تعالى إليها وإلى غيرها من مدنيات الأرض رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم (وهو موضوع عميق يحتاج إلى سبر أغواره وكشف أسراره في مقالة مستقلة) ولكن خلاصة ردّ مدنية أمريكا على رسالة رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم تشبه حتى الآن ردّ مدنية (عاد الأولى) على نبي الله هود عليه السلام. ويبقى السؤال المصيري المطروح الآن هو كالتالي: إذا ظلّ ردّ مدنية أمريكا (عاد الثانية) على رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يشبه إلى حدّ التطابق ردّ (عاد الأولى) على نبي الله هود عليه السلام، فهل سيكون مصير مدنية أمريكا (عاد الثانية) كمصير (عاد الأولى)، ولعل البعض الذين يعانون من عمى البصيرة وقفل القلوب قد يسخرون من هذا السؤال، فلا أقول لهم إلا كما قال الله تعالى: (إن تسخروا منّا فإنّا نسخر منكم كما تسخرون)، وكما قال الله تعالى: (وتلك الأيام نداولها بين الناس)، وكما قال المثل المشهور: (وإن غدا لناظره قريب) ثمَّ حول هذا السؤال المصيري أسجل هذه الملاحظات، لمن ألقى السمع وهو شهيد ممن لم يسحرهم الدولار الأمريكي ولا علف الرؤساء والأمراء بالمليارات:
1. قال الله تعالى عن (عاد الأولى): (وأنه أهلك عادا الأولى) -النجم: 50- ولأن الله تعالى وصف (عاد- إرم) بعاد الأولى، فلنا أن نستنتج أنها ستكون عادا الثانية، وقد تكون عاد الثالثة، والرابعة…
2. وصف الله تعالى عادا الأولى (عاد- إرم): (التي لم يخلق مثلها في البلاد) -الفجر: 8- وهذا الوصف لا ينطبق في الوضع الراهن من حاضر البشرية إلا على مدنية أمريكا، لذلك هي تمثل اليوم (عادا الثانية)، ولو عقدنا مقارنة عميقة بين عاد الأولى (عاد- إرم) وبين عاد الثانية (عاد- أمريكا)، لوجدنا بينهما تشابها إلى حد التطابق في معالم المدنية والمواقف والخطاب والمنزلة العالمية والطغيان العالمي.
3. وصف الله تعالى عادا الأولى (عاد- إرم): (ألم تر كيف فعل ربك بعاد (6) إرم ذات العماد (7)-الفجر- وعندما نقف عند قول الله تعالى (ذات العماد) نستنتج أنها كانت مدنية متطورة في أصول البناء والتشييد والهندسة المعمارية، وأنها كانت ذات أبنية شاهقة مثل (العماد) أي الجبال ويصلح أن يقال عنها (ناطحات سحاب). وهكذا مدنية أمريكا اليوم، فهي التي تمتاز اليوم بناطحات السحاب وعبقرية هندسة البناء والتشييد، وها هي تملك أكبر عدد من ناطحات السحاب في الأرض، وها هي ناطحات سحابها تنتصب شاهقة مثل الجبال، ولذلك يمكن أن نسميها اليوم: (أمريكا ذات العماد).
4. حول جبروت عاد الأولى (عاد- إرم) قال الله تعالى: (فأمّا عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منّا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون) -فصلت: 15- وحول جبروتها قال الله تعالى: (وإذا بطشتم بطشتم جبارين) -الشعراء:130- فهكذا كانت عاد الأولى مغرورة بقوتها، ومتكبرة في الأرض بغير حق، وظانة أنها تملك أعظم جيش في الأرض وأخطر سلاح في الأرض، وأن الله تعالى لن يقدر عليها، وها هي قد قالت في خطابها لكل شعوب الأرض التي عاصرت وجودها، وقالت لنبي الله هود: (من أشد منا قوة)، وها هو الكاوبوي الأمريكي لا يزال يقول منذ أكثر من قرنين: (مسدسي هو القانون)، وها هم زعماء أمريكا لا يزالون يقولون مستكبرين: أمريكا هي أعظم قوة في التاريخ، وأمريكا هي أعظم قوة على وجه الأرض، ولا تستطيع أن تقف أية قوة في وجه أمريكا.
5. حول مدنية عاد الأولى (عاد- إرم) وما كانت تتمتع به من غنى فاحش واقتصاد عملاق وشركات عابرة للقارات ورفاه ودلال ممتلئ بالحدائق الغناء وأماكن الترفيه قال الله تعالى: (وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (134)) -الشعراء- فهكذا كانت عاد الأولى، وهكذا كانت جنات وعيون وحدائق وأماكن ترفيه وتعدادا سكانيا كبيرا، وها هي مدنية أمريكا اليوم تتقمص مفردات مظاهر الرفاه والدلال التي عاشتها عاد الأولى، وكأنها امتداد لها.
6. حول منشآت اللهو والشهوات أو الفجور والانحطاط الأخلاقي التي كانت أقامتها عاد الأولى (عاد-إرم) بما يطلق عليه اليوم المنشآت الرياضية والمسارح ودور السينما ومدن الملاهي ومدن الإنتاج السينمائي وقاعات عرض الأزياء ونوادي مسابقات الجمال والتعري وعلب الليل حول كل ذلك مما كانت تملكه عاد الأولى (عاد- إرم) قال الله تعالى: (أتبنون بكل ريع آية تعبثون (128) -الشعراء-.
والريع هو دخل الدولة والفرد. وهذا يعني أن الناتج القومي لعاد الأولى كان ضخما مما مكنها أن تقيم كل تلك الأبنية للهو والترفيه والفكاهة بأعداد لا تعد ولا تحصى، حتى باتت في متناول يد كل مواطن من قوم عاد سواء كان رجلا أو امرأة، وهكذا أسكرتهم النعمة وغفلوا عن سوء أعمالهم وعاقبة مصيرهم. وهكذا حال مدنية أمريكا اليوم، فقد اكتظت فيها نوادي اللهو والرفاه والتسلية، وباتت تملك ما لا تملكه أية دولة في العالم، ففيها أكبر المنشآت الرياضية في العالم، وفيها (هوليود) أكبر مدن الإنتاج السينمائي، وفيها (والت ديزني) من أكبر مدن الملاهي في العالم، وفيها (لاس-فيغاس) من أكبر مدن الفجور في العالم، وفيها أكبر عدد من دور السينما وصالات الغناء والرقص والتعري في العالم، وفيها أكبر عدد من قنوات التلفاز في العالم، والتي لا تتوقف عن ضخ برامجها على مدار الساعة لكل أهل الأرض، عبر تقنياتها التي نشرتها في الأرض والفضاء.
7. طمعت عاد الأولى (عاد-إرم) أن تتفوق في قدراتها الطبية لدرجة أنها طمعت أن تصنع أدوية تتيح لمواطنيها الخلود في الدنيا، وتتيح لأطبائها ومستشفياتها أن تنتصر على سنة الموت، ولعلها لجأت إلى صناعة المستحضرات الكيمياوية ومصانع تحنيط الجثث، وحول كل ذلك يقول الله تعالى على لسان نبي الله هود عليه السلام: (وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون(129)) -الشعراء- وها هي مدنية أمريكا اليوم تعج بشركات الأدوية التي تواصل صناعة كل جديد من مستحضرات صحة وتجميل وطاقة تدعي فيها هذه الشركات الجشعة أنها مستحضرات تطيل العمر، وتحفظ الشباب، وتقضي على الشيخوخة، وتبقي على أناقة المرأة!!
بل يوجد في أمريكا اليوم ثلاجات لحفظ الموتى من التحلل على أمل أن يتمكن التفوق الطبي في أمريكا بعد سنوات وأن يستخرج هذه الجثث وأن يعيد إليها الحياة، وأن يحيى أصحاب هذه الجثث خالدين!!
بل إن بعض المترفين في أمريكا يوصي أحدهم إذا مات في سن الشيخوخة أن يوضع له قلب شاب، قبل حفظ جثته في الثلاجة، على أمل أن يعود وفي داخله قلب شاب، وقدرة جنسية فتية!! وهكذا استنسخت مدنية أمريكا مصانع التخليد كما كانت عليها عاد الأولى طمعا بالخلود.
8. نستنبط من قوله تعالى: (فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا..) -الأحقاف: 24- أن المقصود بهذه الأفعال: (رأوه) و(قالوا) هم أهل عاد الأولى (عاد- إرم) وأن المقصود على وجه الخصوص هم علماء المناخ ورصد الرياح وتغييرات الطقس عندهم، ولعل أولئك العلماء وصلوا في حينه إلى رصد الأحوال الجوية والعواصف والأعاصير ولعلهم كانوا قد اخترعوا أجهزة رصد مناخية دقيقة، وأجهزة رصد لاقتراب وقوع الزلازل والبراكين ومسارات النيازك خارج غلاف الأرض، فلما رأوا الريح الصرصر التي أرسلها الله تعالى لإهلاكهم ظنوها وفق رصدهم المناخي البشري أنها ريح تحمل لهم مطرا وخيرا، فقالوا (هذا عارض ممطرنا).
وهكذا أمريكا اليوم (عاد الثانية) تملك طواقم علماء بعشرات الآلاف لرصد المناخ، وحركة العواصف والأعاصير، وتحديد مواعيد وقوع الزلازل والبراكين، ورصد حركة النيازك خارج غلاف الأرض، ولقد رأيتُ قبل أعوام في نشرة أخبار مصورة أن هؤلاء العلماء الأمريكان قد أعدوا سلفا صواريخ لإطلاقها على أي نيزك عملاق قد يقترب من الأرض من أجل تفتيته سلفا حتى لا يوقع كارثة في الأرض كتلك الكارثة التي كانت على عهد الديناصورات، فهي أمريكا (عاد الثانية) كأني بها تتسابق مع عاد الأولى في علم المناخ والفلك والتغير المناخي والانحباس الحراري.
9. بناء على كل الملاحظات الواردة أعلاه، يبدو أن عادا الأولى (عاد-إرم) كانت قد بنت مدنية متقدمة ومتطورة علميًا وقد تكون أعلى منزلة مما هي عليه الآن أمريكا (عاد الثانية)، وهذا ممكن ونجد ذلك استنتاجا عندما نتدبر قول الله تعالى: (أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كانت عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها) -الروم: 9- فيلفت الانتباه في هذه الآية القرآنية قول الله تعالى: (كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها)، من يدري لعل عادا الأولى قد غزوا الفضاء، ولعلهم وصلوا إلى أبعد مما وصلت إليه أمريكا (عاد الثانية)، ولكن لإن مدنية (عاد الأولى) كانت مدنية بلا إيمان وبلا قيم ولأنه فجرت وبطشت وكذبت المرسلين ورفضت الاحتكام إلى شرع الله تعالى، فقد عاقبها الله تعالى، وها هي اليوم مدنية مدمرة تحت طبقات الأرض، ولم يجر الكشف عنها حتى الآن، وها هي أمريكا (عاد الثانية) اليوم تتبعت ما وقعت فيه عاد الأولى شبرا بشبر وذراعا بذراع، فهل سيكون مصير أمريكا (عاد الثانية) كمصير (عاد الأولى) مما يعني أنّ أمريكا (عاد الثانية) مهما تعاظمت وانتفخت وتعالت فلن تستطيع أن تتمتع بالحماية الأبدية على خلاف (عاد الأولى) وعلى خلاف من سبقها من المدنيات البائدة والأمم البائدة، ولن تستطيع أن تصادم قدر الله تعالى ولا أن تتفوق عليه، بل ولا حتى أن تؤخره فها هو القرآن الكريم يقول لنا: (إنَّ أجل الله لا يؤخر لو كنتم تعلمون)!!
فيا كل أحرار وحرائر الدنيا لا تفروا إلى أمريكا وإن كانت (عادا الثانية) بل فروا إلى الله مالك أمريكا (عاد الثانية) كما ملك (عادا الأولى) وهو الحي القيوم الذي لا يزول وأما أمريكا فإلى زوال يعلم الله تعالى متى أجله ولا تستطيع أمريكا أن تؤخر هذا الأجل ولو ثانية.